محمد حكيم يكتب .. الأهبل والكنز



بقلم : محمد حكيم

 

لم تكن جولاتى الأخيرة فى قلب القاهرة الفاطمية أو القاهرة القديمة، كما يسميها البعض، من قبيل التسكع ولكن كانت ذات شقين، الأول منها خاص بالترويح عن أسرتى، والشق الثانى استكشاف كنوز الحضارة ولا مانع من تحقيق مآرب أخرى، تتابعت على مصر 
دول شتى ذات ثقافات متنوعة بعد سقوط الخلافة العباسية وحتى قبل سقوطها كانت مصر تتمتع بحكم ذاتى شبه منفصلة عن الخليفة الذى يسكن بغداد فى ذلك الوقت. 
كل دولة كانت لها بصمة حضارية تكاملت مع سابقتها وانصهرت معها حتى أخرجت لنا القاهرة فى صورتها التى بدت وكأنها عاصمة البلاد ومحط أنظار العباد من كل الأماكن والأقطار. 
ولكن يبقى السؤال ما الذى جعل القاهرة القديمة تبدو هى عاصمة الدولة الإسلامية ومعبرة عن الحضارة العربية فى كل عصورها؟ عندما ابتدر إلى ذهنى هذا التساؤل استرجعت تاريخ القاهرة منذ بداية الفتح الإسلامى وكيف تم الوصول بها إلى هذا الوضع لتعبر وحدها عن حضارة ملأت الدنيا نورا وعلما وقدوة وصارت درة بين أخواتها من العواصم العربية العريقة ولم تستطع مثلا مدينة كعمان وأربد أو عموم الكرك بالأردن أو مسقط عاصمة الحضارة العمانية العريقة والتى امتدت إلى قلب زنجبار وتنجانيقا وكانت الأسرة البورسعيدية تسيطر على البحر الأحمر والذى قهر أساطيل الإنجليز والبرتغاليين فى فترة من الزمن. 
الإجابة ببساطة هى التواصل والبناء على القديم والاعتراف به من اللاحق ومن الدولة الجديدة... فالدولة الجديدة محت القديمة سياسيا فقط وتكاملت معها حضاريا ولم تغير المسميات ولم تهدم القديم لمجرد الاختلاف ولم تنتقم بالانتقاص من شأنها وهذا يدل على التحلى بالأخلاق وعدم بخس حق الآخر حتى لو اختلفنا معه، هى قيمة تعرفها عندما ترى التمايز واضحا جليا بين كل قطعة من الحضارة المتكاملة، فمدينة الفسطاط كما هى ومدينة العسكر عاصمة الإخشيد كما هى، ومدينة القطائع عاصمة الطولونية كما هى، وقاهرة المعز عاصمة الفاطميين كما هى، ومن بعدهم الأيوبيين فى قلعة الجبل والمماليك وشوارعهم ومساكنهم ومقرات قادتهم كما هى.
هنا تنمحى الدولة وتبقى بصمتها الحضارية ترسم اسم قادتها بهذه المبانى المزركشة بأصابع وسواعد خيرة صناع العالم الاسلامى من كل أنحاء الأرض فجعلت منها لوحة متكاملة تعبر عن الزمن بكل مراحله فأصبحت متكاملة مع الجغرافيا التى منحها الله لها وجعلها القلب من الحضارة والتى لا يستقيم للعرب إلا بها، فكان من يسيطر عليها وكأنه سيطر على العباد والبلاد ومن فقدها فقد انمحى من الوجود.
وبعد هذا الزمن وتتابع الدول أصبحت القاهرة فى قبضة مجموعة من السوقة والهبلان والمعتوهين من أصحاب المحال التجارية الذين يسيطرون على كل شبر بها وكأن آبائهم قد ورثوها لهم بمواثيق وحجج، وللعجب فإنهم يعرضون بضاعتهم الرديئة القذرة على سلالم المساجد الأثرية التاريخية، وعلى حواف التكايا والأسبلة الرائعة، وفى فتحات الوكالات الجميلة دون رقيب أو حسيب.
انتشار القمامة يجعل السائح العادى البسيط يشمئز من المكان ويخرج وهو يلعن الحضارة الإسلامية ويتهمها بما ليس فيها... التصاق الأتربة والأوساخ بالمبانى من تحتها وفوقها يشعر الرجل البسيط بالاشمئزاز من كل الولاة والسلاطين وملوك الدولة الإسلامية.
وأخيرا يشعر الزائر المتذوق للفن الاسلامى والدارس للحضارة والتاريخ أنه أمام كنوز لا تقدر بثمن يمتلكها أهبل لا هم له سوى عرض الملابس القذرة أو المشروبات العفنة على جوانبها.
انقذوا الحضارة حتى لا نكون كالأهبل الذى يمتلك كنزا.
 محمد حكيم
 
: الكلمات الدليلية

التعليقات

comments powered by Disqus

تواصل معنا

  • العنوان 216 د _ جاردينيا _ هضبة الأهرام _ الجيزة _ مصر
  • هاتف 0233907477
  • البريد:alhayaheco@gmail.com

القائمة البريدية

شاركنا ليصلك كل جديد نحن معكم اينما كنتم!