عِــفةُ ورقـةٍ من كتاب

آلاء نصر الأحد 03 يونيو 2012 الساعة 12:49 مساءً


أرادت أن تجلس على المقعد المقابل له ، فمد قدميه عليها ثم فتح ذراعه مشيراً أن تأتي بجواره ، كان يضعُ بين شَفتيه الغليظتين ولاعة كبيرة ، وعلى انحناءة صدره كتاب مقلوب !

أشار إليها بعينيه أن ترفع الكتاب، هي كانت تتمنى أن تدفن وجهها على حدائقه بدلاً من تلك الأوراق الهَرِمّـة ، وهو بقي صامتاُ لا ينظُرها ...

يزداد الدخان تصاعداً .. وتزداد نبضات قلبها تضارباً .. ماذا أفعل بهذا العجوز الذي بين يديّ اعتقد أن كاتبه مات قبل مئات السنون ، إلا أن هذا الرجل الغامض بجواري ما زال يحتفظ بالنسخة القديمة منه ، دون أن يحاول أن يُصلح من حاله الممزق شيئاً !

- قالت : ماذا افعل به !
أجابها بمؤخرة الولاعة حين مررها على السطور طالباً قراءة تلك الصفحة منها ..

نعم لا بأس ســ أقرأ .. كُتب في هذه الصفحة .. :

" أنا يا سيدي القديس المُبجل مَزقتُ ذاكَ الجسد العاري دون رحمة أو رأفة ، قطفُتُ ثماراًً لم تنضج ، وسَكرتُ منه حتى ثملت ، لم أكن أتوقع أن السماء تحتنا والأرض تُعّرشُ فوقنا ، كيفَ انقلبت الدنيا بهذه السرعة العجيبة ، وكيفَ استجابَ اللهُ لـ أمةٍ وضيعةٍ تفتتح خمارات المدينة في المساء ، ولا تغلقها إلا بعد أن تنفذ أخر تنهيداتها !!

أنا يا سيدي المُعلق على صليب الأيام الخائنة لم أغدر ، لم أهرب ، ولم أترك مولودنا البكر يموتُ قبل أن يتنفس ، كانت أُمُـه صالحة تعبد الله وتصلي بالليل ، كانت تكسرُ الخبر الجاف وترسل قسماً منه لجارتنا الأرملة وأطفالها الجياع .. وكنتُ أنا أمطرها كل ليلة بالشتائم والسُباب فتبقى صامتة تحبس في عينيها دمعة وفي الصباح تضع عند رأسي وردة !!

أنا يا سيدي المدفون حين عملت حفّاراً للقبور لم أكن أنوي أن أسرق أكثر من جرار الفخار المليئة بالحلي والزينة ، تباً للشيطان وحيله كيف أصبحتُ بفضل ناموسه عاهراً ارتكب الخطيئة قرب الأموات دون أن يخطر ببالي أن ملكَ العذابِ قد يعاقبني على عجلٍ فيجعلني بجوارهم !!

أنا يا سيدي المذبوح أتمنى أن يؤمن الجميع بالله لكي استطيعَ أن ادعوا لهم بالجنة دون أن يؤمّنوا على دعائي أمامي ثم يسخروا من عبادتي خلفي ، ففي صلواتي المعدودة والقليلة ارفع يدي حيث الإله وأقول " ربي بهدى عيسى وموسى ومحمد لا تدع أحداً من الناس يموت كافراً ، وإن مُت أنا بين حضن امرأة فاغفر لي ببركة كل من أصبح مؤمناً بعد هذه الدعوة " !! "

طوت الصفحة مجدداً ثم أعادته على صدر رجلها الصامت . وضعت قبلة سريعة على جبينه وغادرت .

عدد التعليقات 1
     
1
ماذا اقول
كتب :طارق القاضى
بتاريخ: الثلاثاء 12 يونيو 2012 الساعة 10:48 مساءً
جميلة جدا سيدتى نريد المزيد
     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي