ترجمة : منة الله اشرف 


اتكأ البنك المركزي المصري بشكل متزايدعلى البنوك المحلية لدعم أهداف السياسة المالية والنقدية وكذلك لمقابلة العدد المتنامي للمبادرات الحكومية ، لطالما كانت البنوك العامة الكبرى بالطبع أداة الحكومة، ولكن الآن على ما يبدو فإن القطاع بأكمله يسخر لدعم السياسة العامة .

القطاع المصرفي المصري هو احد اكثرالقطاعات المنظمة بالمعايير العالمية، خاصة منذ الازمة البنيكة المحلية في أوائل الألفينات، والتي كان لها بعض المنافع مثل منع البنوك المحلية من الاستثمار غير الحكيم في العقارات أو التزامات الدين المغطاة بالأصول لكن يمكن القول إن هذا الإطار التنظيمي الخانق غرس شعور بالرضا عن النفس في القطاع.

البنوك المصرية لا تتزاحم لتوفير الخدمات المبتكرة أو السعر الأدنى، ولن يكون من الظلم أن يقال إن القطاع استقر على اقلية من المؤسسات و رؤوس الأموال، خاصة إن البنوك الغربية بعد أحداث ثورة 2011، باعت حصصها أو ساهمت في خفض شهية استثمارات العمليات المحلية.
البنوك المحلية جنت هوامش ربح اكثر من متوسط المعدلات العالمية بمقدار الضعف، بإقراض القطاع العام والحكومة المتعطشة للديون، ولكن بعمل ذلك، عجزت البنوك عن الوفاء بدورها الاساسي في نمو الاستثمارفي مصر، فلماذا تضيع الوقت على القطاع الخاص،  لا سيما تلك التي لا تقدر إيراداتها بمئات الملايين، في حين أنه ليس هناك معدل مخاطرة في دفع اذون وسندات خزانة. لنكون منصفين فان مصر تواجه موقفًا غريبًا، فالحكومة تدفع اكثر من المؤسسات الخاصة لكي تقترض، ولذلك فمن الصعب أن نلقى باللوم على البنوك لسعيها وراء "المال اليسير".
اذا ما الجديد؟ .. يقصد ان البنوك تجد الحكومة عميل جيد يستدين عبر اذون خزانة وسندات بفائدة مربحة دون مجهود فلماذا ترهق البنوك نفسها سعيا خلف تمويل المشروعات لاسيما الصغيرة والمتوسطة ولكن هذا يأتي علي حساب دور الاساسي في نمو الاستثمار في مصر ومع ذلك لانستطيع ان نلقي باللوم علي البنوك لسعيها وراء الربح السهل .

أعلن محافظ البنك المركزي الجديد كبداية، الإجراءات الأخيرة التي كانت لها نكهة مختلفة توحي بالتغيير الجدي للمرة الأولى منذ سنوات، ففى اواخر عام 2015, أعلنت مصارف القطاع العام الكبيرة، فجأة، رفع أسعار الفائدة على الودائع طويلة الاجل 2.5 نقطة مئوية (بمعدل اعلى 25%)،وفى الوقت نفسه, عملت نفس هذه البنوك لضمان أسعار الفائدة على الاوراق الحكومية حتى لا تقابل هذا الارتفاع،وعملت على تقليل هوامش الربح من اجل دعم الجنيه المصرى، خاصة مع استمرار الضغط على الحكومة لتسديد الديون، بعض من بنوك القطاع الخاص الصغيرة ناسبهم ذلك، لكن اللاعبين الرئيسين تراجعوا، وعلى غير استعداد للتنازل أو التوصل إلى حل حول هوامش ربحهم، فالنتيجة سيتعرضون لخسارة ودائع تُقدر بالميارات.

فاجأ البنك المركزي السوق مجددا بعد فترة قصيرة، ففي بداية العام الجديد بإتخاذ مجموعة جديدة من المبادرات لخدمات القطاع المصرفي.
 
- الائتمان المصرفى:

ركزت البنوك لثلاث سنوات على الحد من التعرض لعميل واحد على حد أقصى اقل من 15% (مقابل 20%) من قاعدتها الرأسمالية، بما فى ذلك شركات منتسبة, يتم تغطية هذا التعرض بنسبة 20% (من 25% من راسمالها)، والأهم من ذلك ان المصارف المحلية لديها عام واحد فقط لتقلل تعرضهم لأكبر 50 عميلًا لديهم إلى أقل من 50% من حافظة قروضها الإجمالية أو مواجهة عقوبات رأس المال، البنوك الاجنبية لديها مهلة تتجاوز هذا الحد بنسبة 50% من قاعدتها الرأسمالية.

- اقساط الديون الاستهلاكية: الحصول على قروض جديدة لا تتجاوز نسبة 35% من الدخل الشهرى (40% فى حالة رهون).

وعلى الرغم من أن الممارسات الحالية تسمح بمدفوعات بنسبة 50-60% من الدخل وما بعده، سيكون هناك بعض التساهل فى حساب الدخل، الذى يمكن ان تشمل مكافات نهاية العام وغيرها من الايرادات، حتى يكون الاثر النهائى المحتمل لمعظم قروض بمبالغ كبيرة عظيمًا. 
غير ان هذا الحكم, سيوقف الإصدار من قبل البنوك التي لا تُقرض التي تتبع "لاقروض على الدخل"، كتلك التى على تجار السيارات، على إثر ذلك، فهذا سيكون نعمة على البنوك غير القارضة.

- صناديق الاستثمار في ادوات الدين:

البنوك قد لا يجوز لها بيع هذه الاموال اذا كان الرصيد الاجمالى يتجاوز 2.5% من اجمالى الودائع بالعملات المحلية (من 5%). والاثر الصافى سيؤدي
إلى هلاك الكثير من شركات المضاربة فى سوق المال المحلية التى تواجه احتمالات الاستنزاف تدريجيا فى السنوات القادمة.

- اقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم:

فى غضون اربع سنوات, يتعين على المصارف رفع اقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى 20 فى المائة على الاقل من اجمالى محفظة القروض( تُعرف المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأنها ذات الايرادات بين 13 مليون جنيها و100مليون جنيها). فى غضون شهر, يتعين على المصارف تقديم تفاصيل عن استراتيجيات المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى البنك المركزي المصري. ويجب أن تكون معدلات القروض للمشاريع التى لها إيرادات بين 13 و20 مليون جنيهًا بحد أقصى 5% على الأقل. 

هذه التوجيهات معًا، ستؤدي إلى  دفعة قوية لتنمية وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم بعيدًا عن الأعمال التجارية كالمعتاد، ومثل تجربة البرازيل التي توصف بـ"بلد غد"، فشلت إعلانات الحكومة والقطاع المصرفي التي لا تحُصى، في الإيفاء بالتزامتها اتجاه المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر .
ولكن حتى هذا التاريخ لكتابة المقالة، لم تأخذ الإجراءات الملموسة مجرى أبعد من هذا، والتمويل ما زال يواجه صعوبة بالغة وما زال من الصعب رفع إقراض الشركات الصغيرة دون رهن  مؤسسها كامل قاعدة الأصول (تشمل الاصول الشخصية بما فى ذلك الملابس).
يأتي ذلك على الرغم من توافر التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، من المؤسسات متعددة الاطراف ووكالات التنمية، المحزن أكثر، أن "المخاطرة"  المزعومة لهذا القطاع هي خرافة غير عادلة،  فمع العديد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة, بل وايضًا متناهية الصغر، تقارير معدلات سداد على هذه القروض بالاسترليني وهذا لم يجعلها تنجو .
مع ذلك ما زالت البنوك غير مستعدة أو غير قادرة على استهداف هذا القطاع بطريقة مناسبة، في الحقيقة، فحتى آواخر 2015 مدت بنوك قليلة يدها للمساعدة وكلفت نفسها عناء إنشاء وحدات رسمية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كان واضحا أن لاشئ سيغير الوضع الراهن، بالرغم من احتجاجات إدارة البنوك التي كانت تبذل قصارى جهدها، تبع ذلك حتمًا عقبات عندما حان الوقت للالتزام الفعلي بالتمويل، سواء كان ذلك نقصًا لـ"حق العمل الورقي" أو المخاطر المحتملة، مما يذكرنا بالحكومة الإسرائيلية ومفاوضتها التي لا تنتهي أبدًا للتعايش بسلام.
يكمن جزء كبير من المشكلة في أن أغلب البنوك المحلية التي تقوم بإقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يتم جمعها تحت إقراض الشركات، ويتم ذلك بطريقة غير مناسبة سواء بعملية الائتمان أو القرض بفوائد، حيث يأخد فيها صاحب المشروع قرضًا شخصيًا.
وفي كلتا الحالتين، لا تؤخذ الطبيعة المتفردة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاعتبار، مما يتسبب في نفص حقيقي في التمويل، كان من الاسهل كثيرا بالنسبة للبنوك لو أنها استمرت في إقراض نفس الدائرة المختارة من التكتلات الرئيسية والكيانات الحكومية، حتى لو انتهى بهم الأمر إلى  اضطرارهم لمساعدتهم عندما تسوء احوال القرض وهو ما يحدث غالبا.

في نهاية المطاف لن يتم طرد أحدهم لأنه اتبع القطيع، واستبعد بعناية المقترضون الصغيرون.
فهل تكون هذه الخطوات الصغيرة بداية لتغير حقيقي، هل سينتعش اخيرًا اصحاب المشروعات الصغيرة في مصر؟

من المحتمل أن يكون تأثير القيود الجديدة على الٌإقراض  أشد وطأة على البنوك الصغيرة، على الرغم من انها قد تعمل على الحد من إقراض القطاع العام إلى إقراض الشركات فى القطاع العام. وكما هو الحال دائما, فهناك ثغرات وطرق للتحايل على القيود, مثل تشكيل كيانات قائمة على المشاريع؛ لتخفيف تركيز الائتمان، بالفعل تُعفى القروض المدعومة من وزارة المالية من هذه القيود ، والتي تشمل العديد من مشروعات البنية الاساسية الكبيرة، بالرغم من ذلك ينبغي على التوجيهات الجديدة ان تحافظ على  توسيع صفوف المشاركين  من نقابات عديدة بعيدًا عن الـ4 أو الـ6 بنوك المعتادة، والمفيد, أنه سيكون هناك مزيدًا من الضغوط وذلك بتنويع قاعدة العملاء وزيادة راس المال او الدمج, وخاصة للبنوك الصغيرة.

مبدأ معدل فوائد الـ5%  على قروض المشاريع الصغيرة والمتوسطة، هو أحد الملامح المميزة التوجهات الجديدة للبنك المركزي المصري؛ ليوفر بعض الحوافز للبنوك للتمويل في هذا المستوى، وهو ما يقل عن تكلفتهم للتمويل، المركزي المصري سمح لهم بالاستفادة من القروض المؤهلة من احتياطاتهم التنظيمية بدون فائدة، البنوك برغم ذلك عندها فرصة لتنشيط  الاصول غير المدرة للدخل لزيادة الهوامش، وتجدر الاشارة الى ان هذا المعدل ينطبق فقط على القروض للشركات ذات الايرادات بين مليون جنيهًا مصريًا إلى 20 مليون جنيهًا، البنوك لديها الحرية فى صنع هيكل منتجاتها الخاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة،  تقع خارج هذا النطاق (تصل الى 100  مليون جنيها, فى العائدات) التى يمكن أن يساعدهم فى تلبية أهداف قروض المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم.

بالإضافة إلى أن مبادرة البنك المركزي ستساعد في دفع عجلة النمو الاقتصادى وخلق فرص العمل, فستساعد أيضًا الشركات الصغيرة (من اجل استيفاء الحد الادنى من شروط التسجيل للشركات الراغبة في الاقتراض). وهذا من شانه أن يساعد في تطبيق لوائح الصناعة والعمالة, فضلا عن تسهيل تحصيل الضرائب, وهي فوائد جانبية عظيمة للحكومة  بالنظر الى حجم الاقتصاد الموازى فى مصر.

ألزم المركزي المصري نفسه، بتوفير200 مليار ، في شكل قروض جديدة للمشروعات إلى 350.000 على مدار الـ4 سنوات لمقبلة، بدعم مباشر من المبادرة التي أعلنها الرئيس السيسي للشباب في يناير، نصف هذا الرقم سيُعد إنجازًا؛ بالنظر إلى الأداء الماضي، البنوك المصرية لديها الفرصة الذهبية لتخليص نفسها من تجويد الحكومة وتتطوير مصادر جديدة حقيقية ومستدامة، الامر الآن بين أيديهم لجذب الزر "الكرة في ملعبهم"  
بالفعل عدد من البنوك الصغيرة صنعت مشاكل "ضوضاء" حول تشكيل إدارات مستقلة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة. أعرب بنك مصر في بيان له، أنه يأمل في أن يصل مجموع القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة  إلى 5% هذا العام (أي يرتفع 3 فى المائة). وحتى اتحاد المصارف المصرية يدرس تشكيل صندوق دعم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وربما اخيرا يمكن للشاب المصري أن يدخل إلى بنك حاملًا حلمه بمشروع يمتلكه وخطة منظمة ويخرج حاملًا في يده التمويل، هل هذا كثير لنحلم به؟

التقرير منشور باللغة الانجليزية في انتر برايز
 
 
 
 



 
: الكلمات الدليلية

مقالات متعلقة

التعليقات

comments powered by Disqus

تواصل معنا

  • العنوان 216 د _ جاردينيا _ هضبة الأهرام _ الجيزة _ مصر
  • هاتف 0233907477
  • البريد:alhayaheco@gmail.com

القائمة البريدية

شاركنا ليصلك كل جديد نحن معكم اينما كنتم!